Q8 Vision Group ServicesTerms of UseHelpAbout KuwaitHome
Add This Search Engine to your Web Site ..... Free
Radio Main Page

كان عمر بن الخطاب إذا ذكر أبو بكر قال : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعنى بلالا وإن رجلا يلقبه عمر سيدنا لهو رجل عظيم ومحظوظ لكن هذا الرجل الشديد السمرة النحيف الناحل المفرط الطول الكث الشعر الخفيف العارضين كما وصفه الرواة لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه إليه وتغدق عليه إلا ويجني رأسه ويغض طرفه ويقول وعبراته على وجنتيه نسيل: إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا فمن هذا الحبشي الذي كان بالأمس عبدا إنه بلال بن رباح مؤذن الإسلام ومزعج الأصنام إنه إحدى معجزات الإيمان والصدق إحدى معجزات الإسلام العظيم فمن كل عشرة مسلمين منذ بدأ الإسلام الى اليوم وإلى ماشاء الله سنلتقي بسبعة على الأقل يعرفون بلالا أي أن هناك مئات الملايين من البشر عبر القرون والأجيال عرفوا بلالا وحفظوا أسمه وعرفوا دوره تماما كما عرفوا أعظم خليفتين في الإسلام : أبي بكر وعمر وإنك لتسأل الطفل الذي لا يزال يحبو في سنوات دراسته الأولى في مصر او باكستان أو الملايو أو الصين وفي الأميركيتين وأوروبا وروسيا وفي العراق وسوريا وتركيا وإيران والسوادان في تونس والجزائر والمغرب في أعماق أفريقيا وفوق هضاب آسيا في كل بقعة من الأرض يقطنها مسلمون تستطيع ان تسأل أي طفل مسلم : من بلال ياغلام فيجيبك : إنه مؤذن الرسول وإنه العبد الذي كان سيده يعذبه بالحجارة المستعرة ليرده عن دينه فيقول : أحد أحد وحينما نبصر هذا الخلود الذي منحه الإسلام بلالا فاعلم أن بلالا هذا لم يكن قبل الإسلام أكثر من عبد رقيق ، يرعى إبل سيده على حفنات من التمر ، وكان من المحتوم علهي لولا الإسلام أن يظل عبدا تائها في الزحام حتى يطويه الموت ويطوح به إلى أعماق النسيان لكن صدق إيمانه وعظمه الدين الذي آمن به بوآه في حياته وفي تاريخه مكانا عليا بين عظماء الإسلام وقديسيه إن كثيرا من علية البشر وذوي الجاه والنفوذ والثروة فيهم لم يظفروا بمعشار الخلود الذي ظفر به بلال العبد الحبشي بل إن كثيرين من أبطال التاريخ لم ينالوا من الشهرة التاريخية بعض الذي ناله بلال إن سواد بشرته وتواضع حسبه ونسبه وهوانه على الناس كعبد رقيق لم يحرمه حين آثر الإسلام دينا من أن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه ويقينه وطهره وتفانيه إن ذلك كله لم يكن له في ميزان تقييمه وتكريمه أي حساب إلا حساب الدهشة حين توجد العظمة في غير مظانها فلقد كان الناس يظنون أن عبدا مثل بلال ينتمي إلى أصول عربية ليس له أهل ولا حول لايملك من حياته شيئا فهو ملك لسيده الذي اشتراه بماله يروح ويغدو وسط شويهات سيده وإبله وماشيته كانوا يظنون أن مثل هذا الكائن لا يمكن أن يقدر على شيء ولا أن يكون شيئا ثم إذا هو يخلف الظنون جميعا فيقدر على إيمان هيهات أن يقدر على مثله سواه ثم يكون أول مؤذن للرسول وللإسلام العمل الذي كان يتمناه لنفسه كل سادة قريش وعظمائها من الذين أسلموا واتبعوا الرسول أجل بلال بن رباح أية بطولة وأية عظمة تعبر عنها هذه الكلمات الثلاث بلال بن رباح إنه حبشي من أمة السود جعلته مقاديره عبدا لأناس من بني جمح بمكة حيث كانت امه إحدى إمائهم وجواريهم كان يعيش عيشة الرقيق تمضي أيامه متشابهة قاحلة لاحق له في يومه ولا أمل له في غدة ولقد بدأت أنباء محمد صلى الله عليه وسلم تنادي سمعه حين أخذ الناس في مكة يتناقلونها وحين كان يصغي إلى أحاديث سادته وأضيافهم سيما أمية بن خلف أحد شيوخ بني جمح القبيلة التي كان بلال احد عبيدها لطالما سمع أمية وهو يتحدث مع أصدقائه حينا وأفراد قبيلته أحيانا عن الرسول حديثا يطفح غيظا وغما وشرا وكانت أذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون الصفات التي تصور له هذا الدين الجديد وكان يحس أنها صفات جديدة على هذه البيئة التي يعيش فيها كما كانت أذنه تلتقط من خلال أحاديثهم الراعدة المتوعدة اعترافهم بشرف محمد وصدقه وأمانته أجل إنه ليسمعهم يعجبون ويحارون في هذا الذي جاء به محمد ويقول بعضهم لبعض : ما كان محمد يوما كاذبا ولا ساحرا ولا مجنونا وإن لم يكن لنا بد من وصمه اليوم بذلك كله حتى نصد عنه الذين سيسارعون إلى دينه سمعهم يتحدثون عن أمانته عن وفائه عن رجولته وخلقه عن نزاهته ورجاحة عقله وسمعهم يتهامسون بالأسباب التي تحملهم على تحديه وعدواته تلك هي ولاؤهم لدين آبائهم أولا والخوف على مجد قريش ثانيا ذلك المجد الذي يفيئه عليها مركزها الديني كعاصمة للعبادة والنسك في جزيرة العرب كلها ثم الحقد على بني هاشم أن يخرج منهم دون غيرهم نبي ورسول
***
وذات يوم يبصر بلال بن رباح نور الله ويسمع في أعماق روحه الخيرة رنينه فيذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم ولا يلبث خبر إسلامه أن يذيع وتدور الأرض برؤوس أسياده من بني جمح تلك الرؤوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور وتجثم شياطين الأرض فوق صدر أمية بن خلف الذي رأي في إسلام عبد من عبدانهم لطمه جللتهم جميعا بالخزي والعار عبدهم الحبشي يسلم ويتبع محمدا ويقول أمية لنفسه : ومع هذا فلا بأس إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا بإسلام هذا العبد الآبق ولكن الشمس لم تغرب قط بإسلام بلال بل غربت ذات يوم بأصنام قريش كلها وحماة الوثنية فيها أما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للاسلام وحده وإن كان الإسلام أحق به ولكنه شرف للانسانية جميعا لقد صمد لأقسى ألوان التعذيب صمود الأبرار العظام ولكأنما جعله الله للناس مثلا على أن سواد البشرة وعبودية الرقبة لا ينالان من عظمة الروح إذا وجدت إيمانها واعتصمت بباريها وتشبثت بحقها لقد أعطى بلال درسا فحواه أن حرية الضمير وسيادته لا يباعان بملء الأرض ذهبا ولا بملئها عذابا لقد وضع عريانا فوق الجمر على أن يزيع عن دينه أو يزيف اقتناعه فأبى لقد جعل الرسول عليه السلام والإسلام من هذا العبد الحبشي المستضعف أستاذا للبشرية كلها في فن احترام الضمير والدفاع عن حريته وسيادته لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم قاتلة فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان ثم ياتون بحجر متسعر كالحميم ينقله من مكانه بضعه رجال ويلقون به فوق جسده وصدره ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم حتى رقت لبلال من هول عذابه بعض قلوب جلاديه فرضوا آخر الأمر أن يخلوا سبيله على أن يذكر آلهتهم بخير ولو بكلمة واحدة لا غير تحفظ لهم كبرياءهم ولا تتحدث قريش أنهم أنهزموا صاغرين أمام صمود عبدهم وإصراره ولكن حتى هذه الكلمة الواحدة التي يستطيع أن يلقيها من وراء قلبه ويشتري بها حياته ونفسه دون أن يفقد إيمانه ويتخلى عن اقتناعه حتى هذه الكلمة الواحدة العابرة رفض بلال أن يقولها نعم لقد رفض أن يقولها وصار يردد مكانها نشيده الخالد أحد أحد يصيح به جلادوه بل ويتوسلون إليه قائلين اذكر اللات والعزى فيجيبهم أحد أحد يقولون له قل كما نقول فيجيبهم في تهكم عجيب وسخرية كاوية إن لساني لا يحسنه ويظل بلال في ذوب الحميم وصخره حتى إذا حان الأصيل أقاموا وجعلوا في عنقه حبلا ثم أمروا صبيانهم أن يطوفوا به جبال مكة وشوارعها وبلال لا يلهج لسانه بغير نشيده المقدس أحد أحد وكأني بهم إذا جن عليهم الليل يساومونه غدا قل كلمات خير في آلهتنا قل ربي اللات والعزى لنذرك وشأنك فقد تعبنا من تعذيبك حتى لكأننا نحن المعذبون فيهز رأسه ويقول أحد أحد ويلكزه أمية بن خلف وينفجر غما وغيظا ويصيح أي شؤم رمانا بك يا عبد السوء واللات والعزى لأجعلنك للعبيد والسادة مثلا ويجيب بلال في يقين المؤمن وعظمة القديس أحد أحد ويعود للحديث والمساومة من وكل إليه تمثيل دور المشفق عليه فيقول خل عنك يا أمية واللات لن يعذب بعد اليوم إن بلالا منا أمه جاريتنا وإنه لن يرضى أن يجعلنا بإسلامه حديث قريش وسخريتها ويحدق بلال في الوجوه الكاذبة الماكرة ويفتر ثغره عن ابتسامة كضوء الفجر ويقول في هدوء يزلزلهم زلزالا أحد أحد وتجيء الغداة وتقترب الظهيرة ويؤخذ بلال إلى الرمضاء وهو صابر محتسب صامد ثابت ويذهب إليهم أبو بكر الصديق وهم يعذبونه ويصيح بهم أتقتلون رجل أن يقول ربي الله ثم يصيح في أمية بن خلف خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا وكأنما كان أمية يغرق وأدركه زورق النجاة لقد طابت نفسه وسعدت حين سمع أبا بكر يعرض ثمن تحريره إذ كان اليأس من تطويع بلال قد بلغ في نفوسهم أشده ولأنهم كانوا من التجار فقد أدركوا أن بيعه أربح لهم من موته باعوه لأبي بكر الذي حرره من فوره وأخذ بلال مكانه بين الرجال الأحرار وحين كان الصديق يتأبط ذراع بلال منطلقا به إلى الحرية قال له أمية خذه فواللات والعزى لو أبيت أن تشتريه بأوقية واحدة لبعتكه بها وفطن أبو بكر لما في هذه الكلمات من مرارة اليأس وخيبة الأمل وكان حريا ألا يجيبه ولكن لأن فيها مساسا بكرامة هذا الذي قد صار أخا له وندا أجاب أمية قائلا والله لو أبيتم أنتم إلا مائة أوقية لدفعتها وانطلق بصاحبه إلى رسول الله يبشره بتحريره وكان عيدا عظيما وبعد هجرة الرسول والمسلمين إلى المدينة واستقرارهم بها يشرع الرسول للصلاة أذانها فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم وتصدح عبر الأفق تكبيراته وتهليلاته إنه بلال الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنة والعذاب يهده ويشويه أن الله أحد أحد
***
لقد وقع اختيارالرسول عليه السلام ليكون أول مؤذن للإسلام وبصوته الندى الشجي مضى يملأ الأفئده إيمانا والأسماع روعة وهو ينادي الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد ألا إله إلا الله أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وينشب القتال بين المسلمين وجيش قريش الذي قدم المدينة غازيا وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الإسلام غزوة بدر تلك الغزوة التي امر الرسول عليه السلام أن يكون شعارها أحد أحد
***
في هذه الغزوة ألقت قريش بأفلاذ كبدها وخرج أشرافها جميعا لمصارعهم ولقد هم بالنكوص عن الخروج أمية بن خلف هذا الذي كان سيدا لبلال والذي كان يعذبه في وحشية قاتلة هم بالنكوص لولا أن ذهب إليه صديقه عقبة بن أبي معيط حين علم نبأ تخاذله وتقاعده حاملا في يمينه مجمرة حتى إذا واجهه وهو جالس وسط قومه ألقى المجمرة بين يديه وقال له يا أبا علي استجمر بهذه فإنما أنت من النساء وصاح به أمية قائلا قبحك الله وقبح ما جئت به ثم لم يجد بدا من الخروج مع الغزاة فخرج أية أسرار للقدر يطويها وينشرها لقد كان عقبة بن أبي معيط مشجع لأمية على تعذيب بلال وغير بلال من المسلمين المستضعفين واليوم هو نفسه الذي يغريه بالخروج إلى غزوة بدر التي سيكون فيها مصرعه كما سيكون فيها مصرع عقبة أيضا لقد كان أمية من القاعدين عن الحرب ولولا تشهير عقبة به على النحو الذي رأينا لما خرج ولكن الله بالغ أمره فليخرج أمية فإن بينه وبين عبد من عباد الله حسابا قديما جاء أوان تصفيته فالديان لا يموت وكما تدينون تدانون وإن القدر ليحلو له أن يسخر بالجبارين فعقبة الذي كان أمية يصغي لتحريضه ويسارع إلى هواه في تعذيب المؤمنين الأبرياء هو نفسه الذي سيقود أمية إلى مصرعه وبيد من بيد بلال نفسه وبلال وحده نفس اليد التي طوقها بالسلاسل أمية وأوجع صاحبها ضربا وعذابا هذه اليد ذاتها هي اليوم وفي غزوة بدر على موعد أجاد القدر توقيته مع جلاد قريش الذي أذل المؤمنين بغيا وعدوا ولقد حدث هذا تماما وحين بدأ القال بين الفريقين وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارهم أحد أحد انخلع قلب أمية وجاءه النذير إن الكلمة التي كان يرددها بالأمس عبده تحت وقع العذاب والهول قد صارت اليوم شعار دين بأسره وشعار الأمة الجديدة كلها أحد أحد أهكذا وبهذه السرعة وهذا النمو العظيم وتلاحمت السيوف وحمي القتال وبينما المعركة تقرب من نهايتها لمح أمية بن خلف عبد الرحمن ابن عوف صاحب رسول الله فاحتمى به وطلب إليه أن يكون أسيره رجاء أن يخلص بحياته وقبل عبد الرحمن عرضه وأجاره ثم سار به وسط المعمعة إلى مكان الأسرى وفي الطريق لمحه بلال فصاح قائلا رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي طالما أثقله الغرور والكبر فصاح به عبد الرحمن بن عوف أي بلال إنه أسيري أسير والحرب مشبوبة ودائرة أسير وسيفه يقطر دما مما كان يصنع قبل لحظة في أجساد المسلمين لا ذلك في رأي بلال ضحك بالعقول وسخرية ولقد ضحك أمية وسخر بما فيه الكفاية سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرها لمثل هذا اليوم وهذا المأزق وهذا المصير ورأى بلال أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين عبد الرحمن بن عوف فصاح بأعلى صوته في المسلمين ياأنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت أن نجا وأقبلت كوكبة من المسلمين تقطر من سيوفهم المنايا وأحاطت بأمية وابنه وكان يحارب مع قريش ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف أن يصنع شيئا بل لم يستطع أن يحمي أدراعه التي بددها الزحام وألقى بلال على جثمان أمية الذي هوى تحت السيوف القاصفة نظرة طويلة ثم هرول عنه مسرعا وصوته الندي يصيح أحد أحد لا أظن أن من حقنا أن نبحث عن فضيلة التسامح لدى بلال في مثل هذا المقام فلو أن اللقاء بين بلال وأمية تم في ظروف أخى لجاز لنا أن نسأل بلالا حق التسامح وما كان لرجل في مثل إيمانه وتقاه أن يبخل به لكن اللقاء الذي تم بينهما كان في حرب جاءها كل فريق ليفني غريمه السيوف تتوهج والقتلى يسقطون والمنايا تتواثب ثم يبصر بلال أمية الذي لم يترك في جسده موضع أنملة ويحمل آثار تعذيبه وأين يبصره وكيف يبصره في ساحة الحرب والقتال يحصد بسيفه كل ما يناله من رؤوس المسلمين ولو أدرك رأس بلال ساعتئذ لطوح به في ظروف كهذه يلتقي الرجلان فيها لايكون من المنطق العادل في شيئ أن نسأل بلالا لماذا لم يصفح الصفح الجميل وتمضى الأيام وتفتح مكة ويدخلها الرسول عليه السلام شاكرا مكبرا على رأس عشرة آلاف من المسلمين ويتوجه إلى الكعبة رأسا هذا المكان المقدس الذي زحمته قريش بعدد أيام السنة من الأصنام لقد جاء الحق وزهق الباطل ومن اليوم لا عزى ولالات ولا هبل لن يحني الإنسان بعد اليوم هامته لحجر ولا وثن ولن يعبد الناس ملء ضمائرهم إلا الله الذي ليس كمثله شيء الواحد الأحد الكبير المتعال ويدخل الرسول الكعبة مصطحبا مع بلالا ولا يكاد يدخلها حتى يواجه تمثالا منحوتا يمثل إبراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالأزلام فيغضب الرسول ويقول قاتلهم الله ما كان شيخنا يستقسم بالأزلام ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ويأمر بلالا أن يعلو ظهر المسجد ويؤذن ويؤذن بلالا فيالروعة الزمان والمكان والمناسبة كفت الحياة في مكة عن الحركة ووقفت الألوف المسلمة كالنسمة الساكنة تردد في خشوع وهمس الكلمات الأذان وراء بلال والمشركون في بيوتهم لا يكادون يصدقون أهذا هو محمد وفقراؤه الذين أخرجوا بالأمس من هذه الديار أهذا هو حقا ومعه عشرة آلاف من المؤمنين أهذا هو حقا الذي طاردناه وقاتلناه وقتلنا أحب أهله وقرباه إليه أهذا هو حقا الذي كان يخاطبنا منذ لحظات ورقابنا بين يديه ويقول لنا أذهبوا فأنتم الطلقاء ولكن ثلاثة من أشراف قريش كانوا جلسوا بفناء الكعبة وكأنما يلفحهم مشهد بلال وهو يدوس اصنامهم بقدميه ويرسل من فوق ركامها المهيل صوته بالأذان المنتشر في آفاق مكة كلها كعبير الربيع أما هؤلاء الثلاثة فهم أبو سفيان بن حرب وكان قد أسلم منذ ساعات وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام وكانا لم يسلما بعد قال عتاب وعينه على بلال وهو يصدح بأذانه لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه وقال الحارث أما والله لو أعلم أن محمدا محق لاتبعته وعقب أبو سفيان الداهية على حديثهما قائلا إني لا أقول شيئا فلوتكلمت لأخبرت عني هذه الحصى وحين غادر النبي الكعبة رآهم وقرأ وجوههم في لحظة وقال وعيناه تتألقان بنور الله وفرحة النصر قد علمت الذي قلتم ومضى يحدثهم بما قالوا فصاح الحارث وعتاب نشهد أنك رسول الله والله ما سمعنا أحد فنقول أخبرك واستقبلا بلالا بقلوب جديدة في افئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول أول دخوله مكة يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب
***
وعاش بلال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد معه المشاهد كلها ويؤذن للصلاة ويحيي ويحمي شعائر هذا الدين العظيم الذي أخرجه من الظلمات إلى النور ومن الرق إلى الحرية وعلا شأن الإسلام وعلا معه شأن المسلمين وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله الذي كان يصفه بأنه رجل من أهل الجنة لكن بلالا بقي كما هو كريما متواضعا لايرى نفسه إلا أنه الحبشي الذي كان بالأمس عبدا ذهب يوما يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيهما أنا بلال وهذا أخى عبدان من الحبشة كنا ضالين فهدانا الله وكنا عبدين فأعتقنا الله إن تزوجونا فالحمد لله وإن تمنعونا فالله أكبر وذهب الرسول إلى الرفيق الأعلى راضيا مرضيا ونهض بأمر المسلمين من بعده خليفته أبو بكر الصديق وذهب بلال إلى خليفة رسول الله يقول له يا خليفة رسول الله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل عمل المؤمن الجهاد فى سبيل الله قال له أبو بكر فما تشاء يا بلال قال أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت قال أبو بكر ومن يؤذن لنا قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله قال أبو بكر بل ابق وأذن لنا يا بلال قال بلال إن كنت أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له قال أبو بكر بل أعتقتك لله يا بلال ويختلف الرواة فيروي بعضهم أنه سافر إلى الشام حيث بقي بها مجاهدا ومرابطا ويروي بعضهم الآخر أنه قبل رجاء أبي بكر في أن يبقى معه بالمدينة فلما قبض وولي الخلافة عمر استأذنه وخرج إلى الشام على أية حال فقد نذر بلال بقية حياته وعمره للمرابطة في ثغور الإسلام مصمما على أن يلقى الله ورسوله وهو على خير عمل يحبانه ولم يعد يصدح بالأذان صوته الشجى الحفي المهيب ذلك أنه لم يكن ينطق في أذانه أشهد أن محمدا رسول الله حتى تجيش به الذكريات فيختفي صوته تحت وقع أساه وتصبح بالكلمات دموعه وعبراته وكان آخر أذان له أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر وتوسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة ودعا أمير المؤمنين بلالا وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها وصعد بلالا وأذن فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله وبلال يؤذن له بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا وكان عمر أشدهم بكاء ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما أراد وتحت ثرى دمشق يثوى اليوم رفات رجل من أعظم رجال البشر صلابة في الوقوف إلى جانب العقيدة والاقتناع

Radio Main Page
Q8VG Web SiteQ8VG Web SitePrivacy PolicyQ8Y2B Home