Q8 Vision Group ServicesTerms of UseHelpAbout KuwaitHome
Add This Search Engine to your Web Site ..... Free
Radio Main Page

لو كان أناس يولدون في الجنة، ثم يبشرون في رحابها ويكبرون.. ثم يجاء بهم إلى الأرض ليكونوا زينة لها، ونورا لكان عمار، وأمة سمية، وأبوه ياسر من هؤلاء..!! ولكن لماذا نقول: لو.. ولماذا نفترض هذا الافتراض، وقد كان آل ياسر من أهل الجنة فعلا..؟؟ وما كان الرسول صلى الله علية وسلم مواسيا لهم فحسب حين قال: صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.. بل كان يقرر حقيقة يعرفها، ويؤكد واقعا يبصره ويراه
***
خرج ياسر بن عمار، والد عمار، من بلده في اليمن يطلب أخا له، ويبحث عنه.. وفي مكة طاب له المقام، فاستوطنها محالفا أبا حذيفة بن المغيرة.. وزوجته أبو حذيفة إحدى إمائه سمية بنت خياط.. ومن هذا الزواج المبارك رزق الله الأبوين عمارا.. وكان إسلامهم مبكرا.. شأن الأبرار الذين هداهم الله.. وشأن الأبرار المبكرين أيضا، أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها..!! ولقد كانت قريش تتربص بالمؤمنين الدوائر.. فإن كانوا ممن لهم في قومهم شرف ومنعة، تولهم بالوعيد والتهديد، ويلقى أبو جهل المؤمن منهم فيقول له: تركت دين آبائك وهم خير منك.. لنسفهن حلمك.. ولنضعن شرفك.. ولنكسدن تجارتك.. ولنهلكن مالك.. ثم يشنون عليه حرب أعصاب حامية وإن كان المؤمنون من ضعفاء مكة وفقرائها، أو عبيدها، أصلتهم سعيرا ولقد كان آل ياسر من هذا الفريق.. ووكل أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم، يخرجون بهم جميعا.. ياسر، وسمية، وعمار، كل يوم إلى رمضاء مكة الملتهبة، ويصبون عليهم من جحيم العذاب ألوانا وفنونا!! ولقد كان نصيب سمية من ذلك العذاب فادحا ورهيبا ولن نفيض في الحديث عنها الآن.. فلنا إن شاء الله مع جلال تضحيتها، وعظمة ثباتها لقاء نتحدث عنها وعن نظيراتها وأخواتها في تلك الأيام الخالدات.. وليكن حسبنا الآن أن نذكر في غير مبالغة أن سمية الشهيدة وقفت يومذاك موقفا يمنح البشرية كلها من أولها إلى آخرها شرفا لا ينفد، وكرامة لا ينصل بهاؤها..! موقفا، جعل منها أما عظيمة للمؤمنين في كل العصور.. وللشرفاء في كل الأزمان
***
كان الرسول صلى الله علية وسلم يخرج إلى حيث علم أن آل ياسر يعذبون.. ولم يكن أيامئذ يملك من أسباب المقاومة ودفع الأذى شيئا.. وكانت تلك مشيئة الله.. فالدين الجديد - ملة إبراهيم حنيفا - .. الدين الذي يرفع محمد لواءه، ليس حركة إصلاح عابرة وعارضة.. إنما هو نهج حياة للبشرية المؤمنة.. ولا بد للبشرية المؤمنة هذه أن ترث مع الدين تاريخه بكل بطولاته، وتضحياته، ومخاطراته.. إن هذه التضحيات النبيلة الهائلة، هي الخرسانة التي تهب الدين والعقيدة ثباتا لا يزول، وخلودا لا يبلى..!!! إنها العبير يملأ أفئدة المؤمنين ولاء، وغبطة، وحبورا وإنها المنار الذي يهدي الأجيال الوافدة إلى حقيقة الدين، وصدقه وعظمته.. وهكذا، لم يكن هناك بد من أن يكون للإسلام تضحياته وضحاياه، ولقد أضاء القرآن الكريم هذا المعنى للمسلمين في أكثر من آية.. فهو يقول سبحانه: أحسب الناس أن يتركوا، أن يقولوا آمنا، وهم لا يفتنون
***
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ويعلم الصابرين
***
ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا، وليعلمن الكاذبين
***
أم حسبتم أن تتركوا، ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم
***
وما أصابكم يوم التقى الجمعان، فبإذن الله، وليعلم المؤمنين
***
أجل.. هكذا علم القرآن حملته وأبناءه، أن التضحية جوهر الإيمان، وأن مقاومة التحديات الغاشمة الظالمة بالثبات وبالصبر وبالإصرار.. إنما تشكل أبهى فضائل الإيمان وأروعها.. ومن ثم فإن دين الله هذا وهو يضع قواعده، ويرسي دعائمه، ويعطي مثله، لا بد له أن يدعم وجوده بالتضحية، ويزكي نفسه بالفداء، مختارا لهذه المهمة الجليلة نفرا من أبنائه وأبراره يكونون قدوة ساقمة ومثلا عاليا للمؤمنين القادمين ولقد كانت سمية.. وكان ياسر.. وكان عمار من هذه الثلة المباركة العظيمة التي اختارها مقادير الإسلام لتصوغ من تضحياتها وثباتها وإصرارها وثيقة عظمته وخلوده قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج كل يوم إلى أسرة ياسر، محييا صمودها وبطولتها.. وكان قلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم وهم يتلقون من العذاب ما لا طاقة لهم به وذات يوم، وهو يعودهم ناداه عمار: يا رسول الله.. لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ.. فناداه الرسول: صبرا أبا اليقظان.. صبرا آل ياسر.. فإن موعدكم الجنة.. ولقد وصف أصحاب عمار العذاب الذي نزل به في أحاديث كثيرة فيقول عمرو بن الحكم: كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول ويقول عمرو بن ميمون: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به، ويمر يده على رأسه ويقول: يا نار كوني برادا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم.. على أن ذلك الهول كله لم يكن ليفدح روح عمار، وإن فدح ظهره ودغدغ قواه.. ولم يشعر عمار بالهلاك حقا، إلا في ذلك اليوم الذي استنجد فيه جلادوه بكل عبقريتهم في الجريمة والبغي.. فمن الكي بالنار، إلى صلبه على الرمضاء المتسعرة تحت الحجارة الملتهبة.. إلى غطه في الماء حتى تختنق أنفاسه، وتتسلخ قروحه وجروحه في ذلك اليوم إذ فقد وعيه تحت وطأة هذا الهول فقالوا له: اذكر آلهتنا بخير، وأخذوا يقولون له، وهو يردد وراءهم القول في غير شعور في ذلك اليوم، وبعد أن أفاق قليلا من غيبوبته تعذيبه، تذكر ما قال فطار صوابه، وتجسمت هذه الهفوة أمام نفسه حتى رآها خطيئة لا مغفرة لها ولا كفارة.. وفي لحظات معدودات، أوقع به الشعور بالإثم من العذاب ما أضحى عذاب المشركين تجاهه بلسما ونعيما..!! ولو ترك عمار لمشاعره تلك بضع ساعات لقضت عليه لا محالة.. لقد كان يحتمل الهول المنصب على جسده، لأن روحه هناك شامخة.. أما الآن وهو يظن أن الهزيمة أدركت روحه فقد أشرفت به همومه وجزعه على الموت والهلاك.. لكن الله العلي الكبير أراد للمشهد المثير أن يبلغ جلال ختامه.. وبسط الوحي يمينه المباركة مصافحا بها عمارا، وهاتفا به: انهض أيها البطل.. لا تثريب عليك ولا حرج.. ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه فألقاه يبكي، فجعل يمسح دموعه بيده، ويقول له: أخذك الكفار، فغطوك في الماء، فقلت: كذا.. وكذا..؟؟ أجاب عمار وهو ينتخب: نعم يا رسول الله.. فقال له رسول الله صلى الله علية وسلم وهو يبتسم: إن عادوا، فقل لهم مثل قولك هذا..!! ثم تلا عليه الآية الكريمة: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. واسترد عمار سكينة نفسه، ولم يعد يجد للعذاب المنقض على جسده ألما، ولم يعد يلقي له بالا.. لقد ربح روحه، وربح إيمانه.. ولقد ضمن القرآن له هذه الصفقة المباركة، فليكن بعدئذ ما يكون..!!! وصمد عمار حتى حل الإعياء بجلاديه، وارتدوا أما إصراره صاغرين..!! استقر المسلمون بالمدينة بعد هجرة رسولهم إليها، وأخذ المجتمع الإسلامي هناك يتشكل سريعا، ويستكمل نفسه.. ووسط هذه الجماعة المسلمة المؤمنة، أخذ عمار مكانا عليا..!! كان رسول الله صلى الله علية وسلم يحبه حبا عظيما، ويباهي أصحابه بإيمانه وهديه.. يقول عنه صلى الله علية وسلم: إن عمارا ملئ ايمانا إلى مشاشه.. وحين وقع سوء تفاهم عابر بين خالد بن الوليد وبين عمار، قال الرسول: من عادى عمارا، عاداه الله، ومن أبغض عمارا، أبغضه الله.. ولم يكن أمام خالد بن الوليد - بطل الإسلام - إلا أن يسارع إلى عمار معتذرا إليه، وطامعا في صفحة الجميل..!! وحين كان الرسول صلى الله علية وسلم وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة إثر نزولهم بها، ارتجز الإمام علي كرم الله وجهه أنشودة راح يرددها، ويرددها المسلمون معه، فيقولون: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما، وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا وكان عمار يعمل في ناحية من المسجد، فأخذ يردد الأنشودة ويرفع بها صوته.. وظن أحد أصحابه أن عمارا يعرض به، فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ما لهم ولعمار..؟؟ يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.. إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي.. وإذا أحب رسول الله مسلما إلى هذا الحد، فلا بد أن يكون إيمانه، وبلاؤه، وولاؤه، وعظمة نفسه، واستقامة ضميره ونهجه.. قد بلغت المدى، وانتهت إلى الذروة الكمال الميسور..!! وكذلك كان عمار.. لقد كال الله له من نعمته وهداه بالمكيال الأوفى، وبلغ في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول صلى الله علية وسلم يزكي إيمانه، ويرفعه بين أصحابه قدوة ومثلا فيقول: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.. واهتدوا بهدي عمار.. ولقد وصفه الرواة، فقالوا: كان طوالا، أشهل، رحب ما بين المنكبين.. من أطول الناس سكوتا، وأقلهم كلاما.. فكيف سارت حياة هذا العملاق، الصامت، الأشهل، العريض الصدر، الذي يحمل جسده آثار تعذيبه المروع، كما يحمل - في نفس الوقت - وثيقة صموده المذهل، وعظمته الخارقة..؟! كيف سارت حياة هذا الحواري المخلص، والمؤمن الصادق، والفدائي الباهر..؟؟ لقد شهد مع معلمة جميع المشاهد.. بدرا، وأحدا، والخندق وتبوك.. وبقيتها جميعا ولما ذهب رسول الله صلى الله علية وسلم إلى الرفيق الأعلى، واصل العملاق زحفه.. ففي لقاء المسلمين مع الفرس، ومع الروم، ومن قبل ذلك في لقائهم مع جيوش الردة الجرارة، كان عمار هناك في الصف الأول دوما.. جنديا باسلا أمينا، لا تنبو لسيفه ضربة.. ومؤمنا ورعا جليلا، لا تأخذه عن الله رغبة.. وحين كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يختار ولاة المسلمين في دقة وتحفظ من يختار مصيره، كانت عيناه تقعان دوما في ثقة أكيده على عمار بن ياسر.. وهكذا سارع إليه وولاه الكوفة، وجعل ابن مسعود معه على بيت مالها.. زكتب إلى أهلها كتابا يبشرهم فيه بواليهم الجديد، فقال: إني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا.. وابن مسعود معلما ووزيرا.. وإنهما لمن النخباء، من أصحاب محمد، ومن أهل بدر.. ولقد سار عمار في ولايته سيرا شق على الطامعين في الدنيا تحمله حتى تألبوا عليه أو كادوا.. ولقد زادته الولاية تواضعا، وورعا، وزهدا.. يقول ابن أبي الهذيل، وهو من معاصريه في الكوفة: رأيت عمار بن ياسر وهو أمير الكوفة يشتري من قثائها، ثم يربطها بحبل ويحملها فوق ظهره، ويمضي بها إلى داره..!!! ويقول له واحد من العامة وهو أمير الكوفة: يا أجدع الأذن يعيرة بأذنه التي قطعت بسيوف المرتدين في حرب اليمامة.. فلا يزيد الأمير الذي بيده السلطة على أن يقول لشاتمه: خير أذني سببت.. لقد أصيبت في سبيل الله..!! أجل.. لقد أصيبت في سبيل الله يوم اليمامة، وكان يوما من أيام عمار المجيدة.. إذا انطلق هذا العملاق في اسبسال عاصف يحصد في جيش مسيلمة الكذاب، ويهدي إليه المنايا والدمار.. وإذ يرى في المسلمين فتورا يرسل بين صفوفهم صياحه المزلزل، فيدفعون كالسهام المقذوفة يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين.. أمن الجنة تفرون..؟ أنا عمار بن ياسر، هلموا إلي.. فنظرت إليه، فإذا أذنه مقطوعة تتأرجح، وهو يقاتل أشد القتال..!!! ألا من كان في شك من عظمة محمد الرسول الصادق، والمعلم الكامل، فليقف أمام هذه النماذج من أتباعه وأصحابه، وليسأل نفسه: هل يقدر على إجاب هذا الطراز الرفيع سوى الرسول الكريم، ومعلم عظيم؟؟ إذا خاضوا في سبيل الله قتالا اندفعوا اندفاع من يبحث عن المنية، لا عن النصر..!! وإذا كانوا خلفاء وحكاما، ذهب الخليفة يحلب شياه الأيامى، ويعجن خبز اليتامى.. كما فعل أبو بكر، عمر..!! وإذا كانوا ولاة، حملوا طعامهم على ظهورهم مربوطا بحبل.. كما فعل عمار.. أو تنازلوا عن راتبهم وجلسوا يصنعون من الخوض المجدول أوعية ومكاتل، كما صنع سلمان..!! ألا فلنحن الجباه تحية وإجلالا للدين الذين أنجبهم، وللرسول الذي رباهم.. وقبل الدين والرسول، الله العلي الكبير الذي اجتباهم لهذا كله.. وهداهم لهذا كله.. وجعلهم روادا لخير أمة أخرجت للناس..!! كان حذيفة بن اليمان، الخبير بـ اللغة السرائر والقلوب يتهيأ للقاء الله، ويعالج سكرات الموت حين سأله أصحابه الحافين حوله قائلين له بمن تأمرنا، إذا اختلف الناس..؟ فأجابهم حذيفة، وهو يلقي بآخر كلماته: عليكم بابن سمية.. فإنه لن يفارق الحق حتى يموت.. أجل.. إن عمار ليدور مع الحق حيث يدور.. والآن ونحن نقفو آثاره المباركة، ونتبع معالم حياته العظيمة، تعالوا نقترب من مشهد عظيم.. ولكن، قبل أن نواجه هذا المشهد في روعته وجلاله.. في صولته وكماله.. في تفانيه وإصراره.. في تفوقه واقتداره.. تعالوا نبصر مشهدا آخر يسبق هذا المشهد، ويتنبأ به، ويهيئ له.. كان ذلك إثر استقرار المسلمين بالمدينة، وقد نهض الرسول الأمين وحوله الصحابة الأبرار، شعثا لربهم وغبرا، يبنون بيته، ويقيمون مسجده.. قد امتلأت أفئدتهم المؤمنة غبطة، وتألقت بشرا، وابتهلت حمدا لربها وشكرا.. الجميع يعملون في حبور وأمل.. يحملون الحجارة، أو يعجنون الملاط.. أو يقيمون البناء.. فوج هنا، وفوج هناك.. والأفق السعيد يردد تغريدهم الذي يرفعون به أصواتهم المحبورة: لئن قعدنا والنبي يعمل لذالك منا العمل المضلل هكذا يغنون وينشدون.. ثم تتعالى أصواتهم الصادحة بتغريدة أخرى: اللهم إن عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجره وتغريدة ثالثة: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا إنها خلايا الله تعمل.. إنهم جنوده، يحملون لواءه، ويرفعون بناءه.. ورسوله الطيب الأمين معهم، يحمل من الحجارة أعتاها، ويمارس من العمل أشقه.. وأصواتهم المغردة تحكي غبطة أنفسهم الراضية المخبتة.. والسماء من فوقهم تغبط الأرض التي تحملهم فوق ظهرها.. والحياة المتهللة تشهد أبهى أعيادها..!! وعمار بن ياسر هناك وسط المهرجان الحافل يحمل الحجارة الثقيلة من منحتها إلى مستقرها.. ويبصر الرحمة المهداة محمد رسول الله صلى الله علية وسلم، فيأخذه إليه حنان عظيم، ويقترب منه وينفض بيده البارة الغبار الذي كسى رأسه، ويتأمل وجهه الوديع المؤمن بنظرات ملؤها نور الله، ثم يقول على ملا من أصحابه جميعا: ويح ابن سمية..!! تقتله الفئة الباغية.. وتتكرر النبوءة مرة أخرى.. حين يسقط جدار كان يعمل تحته، فيظن بعض إخوانه أنه قد مات، فيذهب ينعاه إلى الرسول، ويفرغ الأصحاب من وقع النبأ.. لكن الرسول صلى الله علية وسلم يقول في طمأنينة وثقة: ما مات عمار.. تقتل عمارا الفئة الباغية.. فمن تكون هذه الفئة يا ترى..؟؟ ومتى، وأين..؟؟ لقد أضغى عمار للنبوءة إصغاء من يعرف صدق البصيرة التي يحملها رسوله العظيم.. ولكنه لم يروع.. فهو منذ أسلم، وهو مرشح للموت وللشهادة في كل لحظة من ليل أو من نهار.. ومضت الأيام.. والأعوام.. ذهب الرسول صلى الله علية وسلم إلى الرفيق الأعلى.. ثم لحق به إلى رضوان الله أبو بكر.. ثم لحق بهما إلى رضوان الله عمر.. وولي الخلافة ذو النورين عثمان بن عفان.. وكانت المؤامرات ضد الإسلام تعمل عملها المستميت، وتحاول أن تربح بالغدر وإثارة الفتن ما خسرته في الحرب.. وكان مقتل عمر أول نجاح أحرزته هذه المؤامرات التي أخذت تهب على المدينة كريح السموم من تلك البلاد التي دمر الإسلام ملكها وعروشها.. وأغراها استشهاد عمر على مواصلة مساعيها، فألبت الفتن وأيقظتها في معظم بلاد الإسلام.. ولعل عثمان - رضي الله عنه - لم يعط الأمور ما تستحقه من اهتمام وحذر، واستجابه، فوقعت الواقعة واستشهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وانفتحت على المسلمين أبواب الفتنة.. وقام معاوية ينازع الخليفة الجديد عليا كرم الله وجهه حقة في الأمر، وفي الخلافة.. وتعددت اتجاهات الصحابة.. فمنهم من نفض يديه من الخلاف وأوي إلى بيته، جاعلا شعاره كلمة ابن عمر: من قال حي على الصلاة أجبته.. ومن قال حي على الفلاح أجبته.. ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لا.. ومنهم من انحاز إلى معاوية.. ومنهم من وقف إلى جوار علي صاحب البيعة، وخليفة المسلمين.. ترى أين يقف اليوم عمار؟؟ أين يقف الرجل الذي قال عنه رسول الله صلى الله علية وسلم: واهتدوا بهدي عمار..؟ أين يقف الرجل الذي قال عنه الرسول صلى الله علية وسلم: من عادى عمارا عاداة الله..؟ والذي كان إذا سمع رسول الله صلى الله علية وسلم صوته يقترب من منزله قال: مرحبا بالطيب المطيب، ائذنوا له..!! لقد وقف إلى جوار علي بن أبي طالب، لا متحيزا ولا متعصبا، بل مذعنا للحق، وحافظا للعهد.. فعلي خليفة المسلمين، وصاحب البيعة بالإمامة.. ولقد أخذ الخلافة وهو لها أهل وبها جدير.. وعلي - قبل هذا وبعد هذا - صاحب المزايا التي جعلت منزله من رسول الله صلى الله علية وسلم كمنزلة هارون وموسى.. إن عمارا الذي يدور مع الحق حيث دار، ليهتدي بنور بصيرته وإخلاصه إلى صاحب الحق الأوحد في هذا النزاع.. ولم يكن صاحب الحق يومئذ في يقينه سوى الإمام علي، فأخذ مكانه إلى جواره.. وفرح علي رضي الله عنه بنصرته فرحا لعله لم يفرح يومئذ مثله وازداد إيمانا بأنه على الحق ما دام رجل الحق العظيم عمار قد أقبل عليه وسار معه.. وجاء يوم صفين الرهيب
***
وخرج الإمام علي يواجه العمل الخطير الذي اعتبره تمردا يحمل هو مسؤولية قمعه وخرج معه عمار.. كان عمار قد بلغ من العمر يومئذ ثلاثا وتسعين.. ثلاث وتسعون عاما، ويخرج للقتال..؟؟ أجل، ما دام يعتقد أن القتال مسئوليته وواجبه.. ولقد قاتل أشد وأروع مما يقاتل أبناء الثلاثين..!! كان الرجل الدائم الصمت، القليل الكلام، لا يكاد يحرك شفتيه حين يحركهما إلا بهذه الضراعة: عائذ بالله من فتنة.. عائذ بالله من فتنة وبذكرى يوم وفاة الرسول صلى الله علية وسلم ظلت هذه الكلمات ابتهاله الدائم.. وكلما كانت الأيام تمر، كان هو يكثر من لهجح وتعوذه.. كأنما كان قلبه الصافي يحس الخطر الداهم كلما اقتربت أيامه.. وحين وقع الخطر، ونشبت الفتنة، كان ابن سمية يعرف مكانه فوقف يوم صفين حاملا سيفه، زخز ابن الثالثة والتسعين - كما قلنا - ليناصر به حقا يؤمن بوجوب مناصرته.. ولقد أعلن وجهة نظره في هذا القتال قائلا: أيها الناس: سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرون لعثمان، والله ما قصدهم الأخذ بثأره، ولكنهم ذاقوا الدنيا، واستمرأوها، وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يمرغون فيه من شهواتهم ودنياهم.. وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم، ولا الولاية عليهم، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على اتباع الحق.. وإنهم ليخادعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان.. وما يديدون إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا.. ثم أخذ الراية بيده، ورفعها فوق الرؤوس عالية خافقة، وصاح في الناس قائلا: والذي نفسي بيده.. لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله علية وسلم، وها أنذا أقاتل بها اليوم.. والذي نفسي بيده.. لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر، لعلمت أننا على الحق، وأنهم على الباطل.. ولقد تبع الناس عمارا، وآمنوا بصدق كلماته.. يقول أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع علي رضي الله عنه صفين، فرأيت عمار بن ياسر رضي الله عنه لا يأخذ في ناحية من نواحيها، ولا واد من أوديتها، إلا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتبعونه كأنه علم لهم..!! كان عمار وهو يجول في المعركة ويصول، يؤمن أنه واحد من شهدائها.. وقد نبؤه الرسول صلى الله علية وسلم تأتلق أمام عينه بحروف كبيرة: تقتل عمارا الفئة الباغية.. من أجل هذا كان صوته يجلجل في أفق المعركة بهذه التغريدة: اليوم ألقى الأحبه محمدا، وصحبه!! ثم يندفع كقذيفة عاتية صوب مكان معاوية ومن حوله من الأمويين ويرسل صياحه عاليا مدمدما
واليوم نضربكم على تأويله
لقد ضربناكم على تنزيله
ويذهل الخليل عن خليله
ضربا يزيل الهام عن مقيله
وهو يعني بهذا أن أصحاب الرسول السابقين، وعمارا منهم، قاتلوا الأمويين بالأمس وعلى رأسهم أبو سفيان الذي كان يحمل لواء الشرك، ويقود جيوش المشركين.. قاتلوهم بالأمس، وكان القرآن الكريم يأمرهم صراحة بقتالهم لأنهم مشركون.. أما اليوم، وإن يكونوا قد أسلموا، وإن يكن القرآن الكريم لا يأمرهم صراحة بقتالهم، إلا أن اجتهاد عمار رضي الله عنه في بحثه عن الحق، وفهمه لغايات القرآن ومراميه يقنعانه بقتالهم حتى يعود الحق المغتصب إلى ذويه، وحتى تنطفئ إلى الأبد نار التمرد والفتنة.. ويعني ذلك، أنهم بالأمس قاتلوا الأمويين لكفرهم بالدين وكفرهم بالقرآن.. واليوم يقاتلونهم لانحرافهم بالدين، وزيغهم عن القرآن الكريم وإساءتهم تأويله وتفسيره، ومحاولتهم تطويع آياته ومراميه لأغراضهم وأطماعهم..!! كان ابن الثالثة والتسعين، يخوض آخر معارك حياته المستبسلة الشامخة.. كان يلقن الحياة قبل أن يرحل عنها آخر دروسه في الثبات على الحق، ويترك لها آخر مواقفه العظيمة، الشريفة، المعلمة.. ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمارا ما استطاعوا، حتى لا تقتله سويفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية.. بيد أن شجاعة عمار الذي كان يقاتل وكأنه جيش وحده، أفقدتهم صوابهم، فأخذ بعض جنود معاوية يتحينون الفرصة لإصابته، حتى إذا تمكنوا منه أصابوه
***
كان جيش معاوية ينتظم كثيرين من المسلمين الجدد.. الذين أسلموا على قرع طبول الفتح الإسلامي في البلاد الكثيرة التي حررها الإسلام من سيطرة الروم والفرس.. وكان أكثر هؤلاء وقود الحرب الأهلية التي سببها تمرد معاوية ونكوصه عن بيعة علي.. الخليفة، والإمام.. كانوا وقودها وزيتها الذي يزيدها اشتعالا.. وهذا الخلاف على خطورته، كان يمكن أن ينتهي بسلام لو ظلت الأمور بأيدي المسلمين الأوائل.. لكنه لم يكد يتخذ أشكاله الحادة حتى تناولته أيد كثيرة لا يهمها مصير الإسلام، وذهبت تذكي النار وتزيدها ضراما.. شاع في الغداة خبر مقتل عمار، وذهب المسلمون يتناقل بعضهم عن بعض نبوءة رسول الله صلى الله علية وسلم التي سمعها أصحابه جميعا ذات يوم بعيد، وهم يبنون المسجد بالمدينة.. ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية.. وعرف الناس الآن، من تكون الفئة الباغية.. إنها الفئة التي قتلت عمارا.. وما قتلته إلا فئة معاوية.. وازداد أصحاب علي بهذا إيمانا.. أما فريق معاوية، فقد بدأ الشك يغزو قلوبهم، وتهيأ بعضهم للتمرد، والانضمام إلى علي.. ولم يكد معاوية يسمع بما حدث، حتى خرج يذيع في الناس أن هذه النبوءة حق، وأن الرسول صلى الله علية وسلم تنبأ حقا عمارا ستقتله الفئة الباغية.. ولكن من الذي قتل عمارا..؟ ثم صاح في الناس الذين معه قائلا: إنما قتله الذين خرجوا به من داره، وجاءوا به إلى القتال.. وانخدع بعض الذين في قلوبهم هوى بهذا التأويل المتهالك، واستأنفت المعركة سيرها إلى ميقاتها المعلوم
***
أما عمار، فقد حمله الإمام علي فوق صدره إلى حيث صلى عليه المسلمون معه.. ثم دفنه في ثيابه.. أجل - في ثيابه المضمخة بدمه الزكي الطهور.. فما في كل حرير الدنيا وديباجها ما يصلح أن يكون كفنا لشهيد جليل، وقديس عظيم من طراز عمار.. ووقف المسلمون على قبره يعجبون..!! منذ ساعات كان عمار يغرد بينهم فوق أرض المعركة.. تملؤ نفسه غبطة الغريب المضنى يزف إلى وطنه، وهو يصيح: اليوم ألقى الأحبة، محمدا وصحبه..!!!! أكان معهم اليوم على موعد يعرفه، وميقات ينتظره..؟؟!! وأقبل بعض الأصحاب على بعضهم يتساءلون.. قال أحدهم لصاحبه: - أتذكر أصيل ذلك اليوم بالمدينة ونحن جالسون مع رسول الله صلى الله علية وسلم.. وفجأة تهلل وجهه وقال: اشتاقت الجنة لعمار..؟؟ قال له صاحبه نعم، ولقد ذكر يومها آخرين.. منهم علي، وسلمان، وبلال
***
إذن، فالجنة كانت مشتاقة لعمار.. وإذن، فقد طال شوقها إليه، وهو يستمهلها حتى يؤدي كل تبعاته، وينجز آخر واجباته.. ولقد أداها في ذمة، وأنجزها في غبطة.. أفما آن له أن يلبي نداء الشوق الذي يهتف به من رحاب الجنان..؟؟ بلى.. آن له أن يلبي النداء.. فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.. وهكذا ألقى رمحه ومضى.. وحين كان تراب قبره يسوى بيد أصحابه فوق جثمانه، كانت روحه تعانق مصيرها السعيد هناك.. في جنات الخلد، التي طال شوقها لعمار

Radio Main Page
Q8VG Web SiteQ8VG Web SitePrivacy PolicyQ8Y2B Home