|
إيذاء رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم
|
| |
|
لم يكتف المشركون بمخالفة رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ، وإيذائه بألسنتهم الخبيثة واتهامه بالسحر
والجنون ، وبما كانوا يلقونه على مسامعه من كلام مقذع ، بل حاولوا
المكيدة له ، صلى الله عليه وآله وسلم ، للتخلص منه ، على الرغم من
أن أبا طالب ، كان يحاول جاهدا أن يمنع الأذى عن ابن أخيه ، ويحميه
من غدرهم ، يسانده في ذلك قومه من بني هاشم وبني عبد المطلب . ومن
صور الإيذاء التي تعرض لها رسول الرحمة والإنسانية ، والتي لم تزعزع
من إيمانه ولم تثبط من عزيمته ، بل مضى غير عابىء بالأهوال والمصاعب
، يدعو قومه إلى الإيمان وإلى خيرهم في الدنيا والآخرة ، صلى الله
عليه وآله وسلم . فبينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند
الكعبة يصلى ، وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائلهم : ألا تنظرون
إلى هذا المرائي ؟ أيكم يقوم إلى هذا الجزور {1} فيعمد إلى أمعئها
ودمها فيجيء بها ثم يمهله حتى إذا سجد وضع ذلك بين كتفيه ؟ فأنبعث
أشقاهم عقبة بن أبي معيط ، فأتي النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ،
وهو ساجد فوضع هذه الأقذار بين كتفيه . أما الرسول ، صلى الله عليه
وآله وسلم ، فقد ثبت على سجوده ، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض ، وأخبرت
فاطمة ابنته فجاءت تسعى حتى وصلت إليه ، فألقت الأقذار عليهم وبدأت
تسبهم ، فلما انتهى من صلاته ، صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الهم
عليك بقريش" ثم سمى رجالها فقال: " اللهم عليك بعمرو بن هشام ، وعتبة
وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي
معيط ، وعمارة بن الوليد " . وقد سقط هؤلاء جميعهم صرعى يوم بدر .
ومن صور التهكم والسخرية برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبما
جاء به ، قول عبد العزى بن عبد المطلب المعروف بأبي لهب : يعدني محمد
أشياء لا أراها ، يزعم أنها كائنة بعد الموت ، فماذا وضع في يدي بعد
ذلك ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ، ما أرى فيكما شيئا مما يقول
محمد ، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه
|
| |
|
تبت (2) يدا أبي
لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته (3)
حمالة الحطب في جيدها (4) حبل من مسد (5) . صدق الله العظيم 6
|
|
|
|
أما امرأته فلم تكن بأقل من زوجها
غيظا على الرسول الكريم ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد سماها الله
سبحانه وتعالى : حمالة الحطب ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يمر ، وعندما سمعت أم جميل
: حمالة الحطب ، بما أنزل الله سبحانه وتعالى فيها وفي زوجها من القرآن
الكريم ، أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو جالس في المسجد
عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وفي يدها حجر يملأ
كفها ، فلما دنت منهما أخذ الله عز وجل ببصرها عن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ، فلم تر إلا أبا بكر ، فقالت: يا أبا بكر ، أين صاحبك
، فقد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه {7}
. ثم انصرفت ، فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : يا رسول الله ، أما تراها
رأتك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما رأتني ، لقد
أخذ الله ببصرها عني " كذلك كان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله ، صلى
الله عليه وآله وسلم همزة ولمزة ، فأنزل الله تعالى فيه
|
|
|
|
ويل لكل همزة (8)
ولمزة (9) ، الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا ليبذن في
الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة
إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدودة 10
|
|
|
|
أما العاص بن وائل السهمي ، فقد كان
يسخر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومما وعده ووعد المسلمين
من جنات النعيم ، وحدث أن العاص هذا ، اشترى من صاحب رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم : خباب بن الأرث سيوفا عملها له ، فجاءه خباب
يطلب منه ثمن السيوف فقال له : يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا
الذي أنت على دينه ، أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب ، أو فضة ،
أو ثياب ، أو خدم . قال خباب : بلى . فقال العاص : فأنظرني {11} إلى
يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأعيد هناك حقك ، فو الله
لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني ، ولا أعظم حظا في ذلك
، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه
|
| |
|
أفرأيت الذي كفر
بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ، أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا
كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا
12
|
| |
|
أما أبو جهل ابن هشام ، فقد لقي رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له : والله يا محمد ، لتتركن
سب آلهتنا ، أو لنسبن آلهك الذي تعبد فأنزل تعالى فيه
|
| |
|
ولا تسبوا الذين
يدعون من دون الله ، فيسبوا الله عدوا بغير علم 13
|
| |
|
فكف رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، عن سب آلهتهم ، وجعل يدعوهم إلى الله عز وجل . وإليك عزيزي
القارىء ، صورا أخرى من صور إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
، الذي تحمل من أهله وعشيرته ما تنوء {14} عن حمله الجبال الراسيات
، ومع ذلك فقد مضى صلى الله عليه وآله وسلم ، غير يائس يدعو أهله وعشيرته
إلى الله عز وجل . فها هو النضر بن الحارث ن كان إذا جلس رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ، مجلسا ودعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه
القرآن ، وحذر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية ، خلفه في مجلسه إذا
قام ، فحدثهم عن رستم وأسفنديار {15} ثم يقول : والله ما محمد بأحسن
حديثا مني ، وما حديثه إلا أساطير الأولين ، اكتتبها . فأنزل الله
سبحانه وتعالى فيه
|
| |
|
وقالوا أساطير الأولين
اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، قل أنزله الذي يعلم السر في السموات
والأرض إنه كان غفورا رحيما 16
|
| |
|
كما نزل فيه
|
| |
|
ويل لكل أفاك أثيم
، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب
أليم 17
|
| |
|
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم في مجلس يحاور عددا من المشركين بينهم الوليد بن المغيرة والنضر
بن حارث فأفحمهم جميعا وغلبهم في الحوار ، ثم تلا عليهم قوله تعالى
|
| |
|
إنكم وما تعبدون
من دون الله حصب (18) جهنم أنتم لها واردون ، لو كان هؤلاء آلهة ما
وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون 19
|
| |
|
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، وأقبل عبد الله ابن الزبعرى حتى جلس ، فقال الوليد بن
المغيرة لعبد الله بن الزبعرى : والله ما استطاع النضر بن الحارث أن
يفحم ابن عبد المطلب ، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب
جهنم فقال عبد الله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته لخصمته {2.} ،
فسلوا محمدا ، أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن
نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا {21} ، والنصارى تعبد عيسى ابن
مريم _ عليهما السلام _ فعجب الوليد ، ومن كان معه في المجلس كيف فاتتهم
هذه الفكرة ، ورأوا أنها حجة دامغة ، فنذكر ذلك لرسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ، فقال : " إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع
من عبده ، إنهم إنما يعبدون الشياطين " ، فأنزل الله سبحانه وتعالى
|
| |
|
إن الذين سبقت لهم
منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم
خالدون 22
|
| |
|
وقد حسد المشركون ، رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، حسدا عظيما ، فهذا الوليد بن المغيرة يقول:
أينزل القرآن على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ؟ ! . ويترك أبو
مسعود عمرو بن عمير سيد ثقيف ، ونحن عظيما القريتين ! فأنزل الله سبحانه
وتعالى فيه
|
| |
|
وقالوا لولا نزل
هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم 23
|
| |
|
انظر عزيزي القارىء إلى الجهلة ،
وما يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبينما كان رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يطوف بالكعبة ، إذ اعترضه الأسود بن
المطلب ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل السهمي
، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك
نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا
بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه
، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم
|
| |
|
قل يا أيها الكافرون
، لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم
ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين 24
|
| |
| |
|
| |
|
الآية 108
من سورة الأنعام
|
13 |
الجزور:
الناقة
|
1 |
|
تنوء: تعجز
|
14 |
تبت: خسرت
|
2 |
|
رستم واسفنديار:
ملكان من ملوك الفرس
|
15 |
امرأته:
هي أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وتكنى بأم جميل
|
3 |
|
الآية 5-6
من سورة الفرقان
|
16 |
جيدها: رقبتها
|
4 |
|
الآية 7-8
من سورة الجاثية
|
17 |
مسد: حبل
من ليف
|
5 |
|
حصب جهنم:
كل ما أوقدت به
|
18 |
سورة: اللهب
أو المسد بأكملها
|
6 |
|
الآية 98-100
من سورة الأنبياء
|
19 |
فاه: فمه
الشريف ، صلى الله عليه وآله وسلم
|
7 |
|
لخصمته:
أي لغلبته في الحوار
|
20 |
همزه: اغتابه
بكلام بذيء
|
8 |
|
عزير: أحد
أنبياء اليهود
|
21 |
لمزه: عابه
|
9 |
|
الآية 101-102
من سورة الأنبياء
|
22 |
سورة: الهمزة
بتمامها
|
10 |
|
الآية 31
من سورة الزخرف
|
23 |
فأنظرني:
أمهلني
|
11 |
|
سورة: الكافرون
بتمامها
|
24 |
الآية 77-80
من سورة مريم
|
12 |
|
| |