|
الهجرة الأولى
|
| |
|
رأى رسول الله ، صلى الله عليه وآله
وسلم ، ما يتعرض له أصحابه من الأذى والبلاء وما هو فيه من العافية
، لمكانته من الله عز وجل ، ولحماية عمه أبي طالب وأنه عليه الصلاة
والسلام ، لا يستطيع دفع البلاء عنهم ، رق لحالهم وأشفق عليهم ، ورأى
أن يخلصهم مما هم فيه . فقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن
بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا
مما أنتم فيه " . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ، صلى
الله عليه وآله وسلم ، إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة ، وفرارا إلى
الله بدينهم . فكانت هذه الهجرة أول هجرة في الإسلام . ومن بين هؤلاء
الذين فروا بدينهم إلى الحبشة : عثمان بن عفان رضي الله عنه وزوجته
رقية بنت رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، والزبير بن العوام
بن خويلد ، ومصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد
الأسد وأمرأته ، أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ، وجعفر بن أبي طالب
وزوجته أسماء بنت عميس ، وعمرو بن سعيد بن العاص وأمرأته فاطمة بنت
صفوان ، وعبد الله بن جحش وأخوه عبيد الله بن جحش وأمرأته حبيبة بنت
أبي سفيان ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم حتى
بلغ عدد المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين ما عدا أولادهم الصغار الذين
خرجوا مع ذويهم : اثنا عشر رجلا ، وأربع نساء
|
| |
|
إسلام عمر بن الخطاب
|
|
|
|
قويت شوكة المسلمين ، وفرحوا فرحا
عظيما بنصرة النجاشي للمهاجرين إليه ، وخاصة بعد أن أسلم عمر بن الخطاب
، وكان رجلا قويا صلدا لا يخشى أحدا ، وبعد خروج من خرج من أصحاب رسول
الله ، صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحبشة ، جهر كثير من المسلمين
وأصبحوا يصلون في الكعبة ، ولم يكن يستطيعون من قبل أن يصلوا عند الكعبة
، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه
، وبإسلام عمر ، رضي الله عنه ، استجاب الله عز وجل لدعاء رسول الله
، صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال : " اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين
إليك : عمر بن الخطاب أو عمرو ابن هشام " . أما سبب إسلام عمر بن الخطاب
رضي الله عنه ، فهو أنه كان شديدا على المسلمين كثير العذاب لهم ،
يتعرض لهم بالسوء أينما وجدهم . وحدث أن أخته فاطمة بنت الخطاب قد
أسلمت ، وأسلم زوجها سعيد بن زيد ، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر
، وكان نعيم بن عبد الله النحام قد أسلم أيضا ، وكان يستخفي بإسلامه
خوفا من قومه ، وكان خباب بن الأرت يذهب إلى فاطمة بنت الخطاب ، يقرئها
القرآن ، فخرج عمر يوما متوحشا سيفه يريد رسول الله ، صلى الله عليه
وآله وسلم ورهطا {1} من أصحابه ، قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت
عند الصفا ، ومع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عمه حمزة بن
عبد المطلب ، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب ، رضي
الله عنهم أجمعين ، وعدد من المسلمين ، ممن لم يخرجوا إلى أرض الحبشة
، فصادفه نعيم بن عبد الله فقال له : أين تريد يا عمر ؟ فقال عمر:
أريد محمدا هذا الصابىء {2} ، الذي فرق أمر قريش ، وسفه أحلامها ،
وعاب دينها ، وسب آلهتها ، فأقتله . فقال له نعيم : والله لقد غرتك
نفسك من نفسك يا عمر . أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد
قتلت محمدا ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيهم أمرهم {3} ؟ . فقال عمر
: وأي أهل بيتي ؟ قال نعيم : صهرك وابن عمك سعيد بن زيد ، وأختك فاطمة
بنت الخطاب ، فقد أسلما وتابعا محمدا على دينه ، فعليك بهما . عاد
عمر قاصدا صهره وأخته ، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها "طـه"
يقرئهما إياها ، فلما سمعوا حس عمر ، نهض خباب واختبأ في ركن من البيت
، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة وخبأتها ، وكان عمر قد سمع حين دنا
من البيت قراءة خباب عليهما . فلما دخل قال : ما هذا الكلام الذي سمعته
؟ ! قالا : ما سمعت شيئا . فقال عمر : بلى والله ، لقد أخبرت أنكما
تابعتما محمدا على دينه . ثم ضرب صهره سعيد بن زيد ، فقامت أخته فاطمة
لتمنعه عن زوجها فضربها عمر وشجها {4} . فلما فعل ذلك قالت له أخته
وصهره : نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك . فلما
رأى عمر ما بأخته من الدم ، ندم على ما صنع ، ورجع إلى رشده ، وقال
لأخيه : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها ، أنظر ما هذا الذي
جاء به محمد . فقالت له أخته : إنا نخشاك عليها . فقال عمر : لا تخافي
، وحلف لها بآلهته ، ليردنها إذا قرأها إليها . فطمعت فاطمة في إسلامه
وقالت له : يا أخي ، إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسها إلا الطاهر
، فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة قرأها فلما قرأ منها شيئا قال
: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! عندئذ خرج خباب إليه وقال له : يا عمر
، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ، فإني سمعته أمس
وهو يقول : " اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : عمر بن الخطاب
أو عمرو ابن هشام " . فقال عمر عند ذلك : فدلني يا خباب على محمد حتى
آتيه فأسلم ن فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا ، ومعه رهط من أصحابه
، فانطلق عمر متوشحا سيفه إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم
، فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله
، صلى الله عليه وآله وسلم ، فنظر من شق الباب فرآه متوشحا السيف ،
فرجع إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو فزع وقال : هذا
عمر بن الخطاب متوشحا السيف . فقال حمزة بن عبد المطلب : دعه يدخل
، فإن كان يريد خيرا بذلناه له ، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه ،
فلما دخل ، نهض إليه رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذ بجمع
ردائه ، ثم جبذه {5} جبذة شديدة . وقال : ما جاء بك يا ابن الخطاب
؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة {6} . فقال عمر
بن الخطاب : يا رسول الله ، جئتك لأؤمن بالله ورسوله ، وبما جاء من
عند الله فكبر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، تكبيرة عرف أهل
البيت من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم أن عمر قد أسلم
. فتفرق أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم من مكانهم ، وقد
أخذتهم العزة في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة ، وعرفوا أنهما
سيمنعان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم وكان عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قد أسلم بعد تسع وثلاثين رجالا ، وثلاثة وعشرين امرأة ، وذلك
في السنة السادسة من البعثة النبوية
|
|
|
|
انشقاق القمر
|
|
|
|
بعد أن رأى المشركون أن رسول الله
، صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يستجيب إلى مطالبهم التي عرضوها عليه
كما رأينا في القصة السابقة ، ورغم العذاب الذي لحق أصحابه والأذى
الذي لحقه هو نفسه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، دخلوا عليه من باب
آخر ولجؤوا إلى أسلوب التعجيز فطلبوا منه آيه أو برهانا على صدق دعوته
وقالوا: إن كنت صادقا في دعواك ، فأتنا بآية نطلبها منك ، وهي أن تشق
لنا القمر فرقتين ، فأعطاه الله تعالى هذه المعجزة وانشق القمر فرقتين
، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : " اشهدوا " . وقد ذكر
القرآن خبر انشقاق القمر إذ قال سبحانه وتعالى
|
| |
|
اقتربت الساعة وانشق
القمر 7
|
| |
|
وعندما رأى المشركون المعاندون هذه
المعجزة الكبرى قالوا: لقد سحركم ابن أبي كبشة فأنزل الله تعالى قوله
فيهم
|
| |
|
وإن يروا آية يعرضوا
ويقولوا سحر مستمر 8
|
| |
|
ولكن كيف يرجى الإيمان ممن قالوا
|
| |
|
اللهم إن كان هو
الحق من عندك ، فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب أليم 9
|
|
ولو كان فيهم خيرا لقالوا: اللهم
إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه
|
|
| |
|
رهطا: جماعة
|
1 |
|
الصبابىء:
الذي يترك دينه
|
2 |
|
فتقيم أمرهم:
تعدل أمرهم ، وتسوي ما اعوج
|
3 |
|
شجها: شق
جلد رأسها
|
4 |
|
جيذه: شده
بقوة
|
5 |
|
القارعة:
الداهية
|
6 |
|
الآية 1
من سورة القمر
|
7 |
|
الآية 2
من سورة القمر
|
8 |
|
الآية 32
من سورة الأنفال
|
9 |
|
| |